أحمد بن علي القلقشندي

312

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أما بعد ، فإنّ المستأثر بالدّوام ، اللَّطيف بالأنام ، أنشأهم على التغاير والتباين ، واضطرهم إلى التّجاور والتعاون ، وجعل لهم مصلحة الاشتراك ، ومنفعة الالتحام والاشتباك ، طريقا إلى الأفضل في حياتهم ، والأسعد لغاياتهم ، وبعث النبيين مرغَّبين ومحذّرين ، ومبشّرين ومنذرين ، فأدّوا عنه ما حمّل ، وبيّنوا ما حرّم وحلَّل ، وكان أعمّهم دعوة ، وأوثقهم عروة ، وأعلاهم في المنزلة عنده ذروة ، وأعطفهم للقلوب وهي كالحجارة أو أشدّ قسوة ، المخصوص بالمقام المحمود ، والحوض المورود ، وشفاعة اليوم المشهود ، ولواء الحمد المعقود ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وسلَّم أفضل صلاة تفضي إلى الظلّ الممدود ، وتبلغنا من شفاعته أفضل موعود ، بعثه اللَّه للأحمر والأسود ، والأدنى والأبعد ، فصدع بأمره وظلام الليل غير منجاب ، والدّاعي إلى اللَّه غير مجاب ، وأهل الجاهلية كثير عددهم ، شديد جلدهم ، بعيد في الضّلالة والغواية أمدهم ، فسلك من هدايتهم سبيلا ، وصبر لهم صبرا جميلا ، يحبّ صلاحهم وهم العدوّ ، ويلين لهم إذا جدّ بهم العتوّ ، ويجهد في أظهار دينه ولدين اللَّه الظهور والعلوّ ، حتّى انقادوا بين سابق سبقت له السّعادة ، ولا حق تداركته المشيئة والإرادة ، ولما رفعت راية الإسلام ، وشفعت حجّة الكتاب حجّة الإسلام ( 1 ) ، ودعي الناس إلى التزام الأحكام ، ونهوا عن الاستقسام بالأزلام ( 2 ) ، أخبتوا إلى الربّ المعبود ، وأشفقوا من تعدّي الحدود ، ووعظوا في الأيمان والعهود ، فأتمروا للشرع حين أمر ، وخافوا وخامة من إذا عاهد غدر ، فكان الرجل يدع الخوض فيما لا يعلمه ، ويترك حقّه لأجل يمين تلزمه ، وشرعت الأيمان في كلّ فنّ بحسب المحلوف عليه ، وعلى قدر الحاجة إليه ، فواحدة في المال لحقّ الأداء ، وأربع مخمّسة عند ملاعنة النّساء ، وخمسون انتهي إليها في أحكام الدّماء ، فتوثّق للحدود على مقاديرها ، وجرت أمور

--> ( 1 ) لعلّ المراد بالأول الدين . وبالثاني الانقياد إن لم يكن مصحّفا عن الاستسلام . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) الأزلام : السهام الَّتي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها ، واحدها زلم ، بالفتح . انظر مختار الصحاح والقاموس المحيط ، مادة ( زلم ) .